بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله على جزيل نعمائه ، وعظيم آلائه ، سبحانك ربي لا تحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك .
وصلاة ربي وعظيم تسليماته على الهادي الأمين، المبعوث من ربه رحمة للعالمين ، الذي قد حمل الرسالة ، وأدى الأمانة ، ونصح الأمة ، وقادها إلى خبري الدنيا والآخرة .
صلى الله عليه وعلى آله ، وصحابته من المهاجرين والأنصار ، الذين كانوا له نعم العون في مدامات الأمور ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
وبعد : فالدعوة إلى الله تعالى على بصيرة ، توفيق منه سبحانه لا يؤتيه إلا لصفوة مختارة من أولئك الدعاة المخلصين ، الذين تجردوا للإرشاد والدعوة ونذروا أنفسهم لهما طائعين راضين اقتناعاً منهم بأن هذا هو الجهاد الذي هيأهم الله إليه ، فأقبلوا بقلوبهم وألسنتهم ينادون في الناس : أن يا قومنا أجيبوا داعي الله لما دعاكم . فالتف الناس حولهم ، يعترفون من المنهل العذب يحب وشغف ( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين)
ومن هؤلاء الدعاة الموفقين الدكتور محمد عبد الله دراز - رحمه الله تعالى - الذي كان علماً شامخاً من أعلام الدعوة الإسلامية في مصر، خلال القرن الرابع عشر الهجري
-
ولد - رحمه الله تعالى - في قرية صغيرة تدعى ( محلة دباي ، من أعمال محافظة كفر الشيخ عام ۱۳۱۲ هـ ( ١٨٩٤ م ) في بيت علم ودين، واتصف في حياته بالفطنة والذكاء والتواضع والجرأة ومحبة الناس ..
حفظ القرآن الكريم وهو ابن عشر سنين .
التحق بالمعهد الديني بمدينة الاسكندرية .
حصل على شهادة العالمية عام ١٣٣٤ هـ - ١٩١٦ م
عين مدرساً - عقب تخرجه - بمعهد الاسكندرية الديني
درس اللغة الفرنسية في المدارس الليلية ونبغ فيها ، وكان أول الناجحين في شهادة القسم العالي منها .
اختير للتدريس بالقسم العربي بالأزهر الشريف ، ثم بقسم التخصص ، ثم بالكليات الأزهرية.
صنف كتابه ( المختار » سنة ١٣٥٠ هـ – ١٩٣٢ م .
أشرف على طباعة شرح والده لكتاب ، الموافقات للشاطبي » .
اختير مبعوثاً من الأزهر إلى جامعة السوربون في باريس ، فأمضى هناك اثني عشر عاماً حاز فيها على شهادة الليسانس ، ثم الدكتوراة. وكانت له رسالتان ، الأولى بعنوان :
القرآن» وهي باللغة الفرنسية ، لم تترجم إلى العربية بعد
أما الرسالة الثانية ، فقد ترجمها المؤلف في كتابه النبأ العظيم تحت عنوان : : دستور الأخلاق في القرآن ، أما الترجمة الحرفية لها فهي : ( أخلاق القرآن ..
عاد بعد ذلك إلى مصر ، واعتلى منابرها في التوجيه والإرشاد الديني ، والتدريس في مختلف الجامعات والكليات ، فكان بحق علماً عظيماً في كل الوظائف التي أنيطت به .
ولا يسعني تفصيل ذلك الآن ، فلست بالمؤرخ لهذا الداعية العظيم .. بقدر ما يهمني إظهار ناحية خافية من نواحي حياته العلمية ، وترجمته كاملة موجودة بكتابه : المختار من كنوز السنة النبوية الذي طبع على نفقة سمو أمير دولة قطر حفظه الله ورعاه
إن الناحية التي تهمنا هي مجالسه الخاصة ، التي كان يؤمها القوم من طلاب العلم والمعرفة فيتحدث فيهم ويوجههم وينصحهم ويعلمهم.
وشاء الله - جلت قدرته - أن يهيئ لنا الأسباب للاطلاع على أثر جليل من آثاره ، هو كتاب : في الدين والأخلاق . قامت وزارة الثقافة المصرية بجمعه وطبعه ، منذ أكثر من اثني عشر عاماً ، اختياراً من سلسلة أحاديث إذاعية للمرحوم الشيخ محمد عبد الله دراز .
ونظراً لما لاحظناه من كثرة الأخطاء الواردة ، وخاصة المطبعية .. وتعميما للفائدة بين المسلمين ، فقد قمنا بتنقيح هذه الأحاديث ، وإعادة تبويبها ومراجعتها بدقة ، ومقارنتها بما وصلنا من أشرطة تسجيل ، قام بإرسالها لنا الأخ الدكتور محمد سعيد دراز - نجل المرحوم الشيخ محمد عبد الله دراز - جزاءه الله عنا وعن المسلمين كل خير ، وأثابه عن عمله واهتمامه الموفقين جزيل الأجر . واخترنا لها هذا العنوان ، الذي لا شك أن روح قائلها ستأنس به وترضى عنه ، وهو :
نخبة الأزهار وروضة الأفكار »
وقد قمنا بعرض هذا الموضوع من جوانبه العلمية والأدبية والدينية والتاريخية على صاحب السمو الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني أمير دولة قطر . فكان كما عهدناه دائماً نصيراً للعلم والمعرفة ، إذ أمر سموه - حفظه الله - بأن يطبع على نفقته الخاصة . فكان هذا السفر الجليل الفائدة ، الذي بين يديك أيها القارئ الكريم ، مثالا للإخلاص في العلم والعمل به ، ونبراساً يهتدي به الدعاة إلى الله ، وتخليداً لذكرى داعية مخلص : كان يدعو إلى الله على بصيرة فوفقه الله ، وكان له تلاميذ مخلصون حملوا هذا العلم بعده ، ونقلوه إلى طالبي العلم والمعرفة : زاداً ممتعاً ، وغذاء ثميناً نافعاً ، فكان هذا الكتاب - من توفيق الله وعنايته - الذي قدرنا الله على إبرازه إلى حيز الوجود ، للإفادة منه وإحياء ذكرى مؤلفه - رحمه الله وجزاه عن علمه ونصحه خير ما يجزى به الدعاة المخلصون - وأشركنا معه في صالح الجزاء ، إنه سميع مجيب .
وصلى الله على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديهم ، وسار على سنتهم إلى يوم الدين .
والحمد لله رب العالمين .
خادم العلم
عبد الله بن ابراهيم الأنصاري