ما تمس إليه الحاجة

ما تمس إليه الحاجة

الحمد لله قدر وقضى وحكم فأمضى وأرضى وتقدس عظمةً وجلالاً أن يكون عوضاً لما تنزه أن يكون جوهراً أو عرضاً وطهر قلوب من اختاره من عباده فلم يجعل بها علل الشكوك والشبه ولا يصيبهم لسهام المجادلة والمخاصمة غرضاً، أضاء لهم حسام الهدى المنتقى فضاق بهم الفضا وخاضوا في بحور حبه ومعرفته فكانوا مشعل الهدى للكون فعرضهم لمباهاة الملأ الأعلى عرضاً وحكَّمهم في العالم السفلي فأورثهم سماءً وأرضاً فهم يقطعونها بقَدْمِ القِدم طولاً وعرضاً ويتحكمون في قواعدهم إبراماً ونقضاً فأخذوا من مشكاة النبوة الصافية كل هدىً ونشروها للكون فأضاء الكون بها وعمت الخيرات في أرجائه.
والصلاة على من قيل له (ولسوفَ يُعطيك ربُّكَ فترضى) فتميز بهذا المقام عمن قال (وعَجِلْتُ إليكَ ربي لترضى) فارتقى به الحق إلى قاب قوسين والمعطي من أوحى إلى عبده جوامع الكلم وفصل الخطاب فكان لا ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحيٌ يوحى، صلاة دائمة بلسان القديم فلا يجوز عليها انقضاء وعلى آله وأصحابه المخصوصين بالرضا وعلى إخوانه المصدقين به العالم العلي المرتضى.
أما بعد فإن كتاب (ما تمس إليه الحاجة لمن يطالع سنن ابن ماجه) رغم عنوانه الذي ينطق بأن الكتاب سيبحث ابن ماجه وشروط أخذه للحديث ومميزاته وموقع كتاب سنن ابن ماجه ورجاله أحاديثه ومكانته بالنسبة إلى كتب الحديث الخمسة – البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي في المرتبة وأسلوبه في تبويب الفقه فيه وجمعه للأحاديث وما انفرد به من أحاديث ومكانتها من الصحاح وكيف يمكن الاستناد على أحاديثه بالفقه والتشريع وغير ذلك... فالكتاب لم يتطرق إلى هذه الأمور إلا بالنذر اليسير بينما الشيخ سراج الدين عمر بن علي بن الملقن الشافعي المتوفي 804هـ شرح زوائد ابن ماجه على الكتب الخمسة في ثمان مجلدات سماه (كتاب ما تمس إليه الحاجة على سنن ابن ماجه) ذكر فيه موافقته من باقي الأئمة الستة مع ضبط المشكل من الأسماء والكني وما يحتاج إليه الغرائب مما لم يوافق الباقيين فأفاض وأجاد بذلك مما جُعل مرجعاً قوياً لكتاب سنن ابن ماجه.
وقد عالج هذا الكتاب أربعة مواضيع هامة هي:
1- مكانة السنة في التشريع.
2- نشأة العلم الحديث النبوي منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحالته في القرون الثلاثة وكتابته وتدوينه.
3- شروط الأئمة الأربعة ومصنفي الصحاح إلى عصر ابن ماجه.
4- ترجمة الإمام ابن ماجه وسياق الأحاديث التي أدرجها ابن الجوزي في الموضوعات والمعنون بهذا الكتاب شرحاً وتعليقاً أو تجريداً لزوائده أو الكلام على رجاله، ورواة هذا الكتاب.
ولا بد لنا إلاَّ أن نتعرض بشيء من الإيجاز عما تضمنه هذا الكتاب وقد أدى هذا الكتاب خدمة عظيمة للأجيال عندما بحث بشيء من التفصيل عن نشأة العلم الحديث النبوي منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف كان حالته في القرن الأول والثاني والثالث الهجري ولا بد من الوقوف عليه لمن أراد أن يتفقه في علم الحديث بصفته المصدر التشريعي الثاني لهذه الأمة بل للكون بأجمعه لأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين ورسالته خاتمة الرسالات فهي المنظمة لشؤون البشرية كلها ومحددة لمعالم سعادتها وتقدمها لإخراجها من ظلمات الجهل والظلم إلى نور العلم والحق والإيمان ولإسعاده للبشرية قاطبة إلا إذا عَبَّت من منهلها وتمسكت بتشريعها فقد حددت بدقة لكل مخلوق طريقه الأمثل الذي خلقه الله من أجله كما قال الله تعالى (أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) فقد جاء بالكتاب الكريم والسنن المشرقة تحددان لكل مخلوق رسالته في الحياة وفق أسس سليمة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها لذلك كان الأحرى أن نقف طويلاً مع هذا المصدر التشريعي الثاني لنبين معالمه ونشأته وتطوره..