مقدمة
بقلم فضيلة الشيخ عبدالله ابرهيم الأنصاري
إن الحمد لله نحمده ، ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا ؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ؛ وأصلي وأسلم وأبارك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين ، وبعد :
فقد جعل الله تعالى محمدا ﷺ خاتم النبيين ، والإسلام خاتمة الرسالات السماوية ، فجاءت عامة شاملة للناس كافة ، تنظم علاقات الفرد مع نفسه ومجتمعه ، والمجتمعات بعضها مع بعض في شتى جوانب الحياة الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية ؛ من هنا جاء الأمر الإلهي والتطبيق النبوي بتحكيم شرع الله عز وجل والاحتكام إليه في جميع نواحي الحياة البشرية ، قال تعالى : فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُم ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِم حَرَجًا مما قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) وقال تعالى في سورة المائدة : ﴿ وَمَن لَم يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُم الكَافِرُونَ ﴾ و ﴿ وَمَن لَم يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هم الظَّالِمُونَ ﴾ و ﴿ وَمَن لَم يَحكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُم الفَاسِقُون ) ولقد فهم هذا جيدا سلفنا الصالح رضوان الله تعالى عليهم ، فشمروا ساعد الجد لوضع شريعة الله تعالى موضع التطبيق لتكون هي الحاكمة ، ولها الحاكمية العليا في حياتهم ، وقاموا بتصنيف المؤلفات التي تبين مزايا شريعة الله تعالى وتنظيمها لجوانب الحياة المختلفة ، وجاءت كتب الأحكام السلطانية لتؤكد أن الإسلام دين ودولة ، وأن شريعة الله تعالى لم تهمل هذا الجانب وبينت واجبات الحكام والرعية على حد سواء ، كما حوت المؤلفات في الفقه الإسلامي إلى جانب العبادات ، المعاملات وما يتعلق بها ، وكثيرا ما تجد فيها المسائل التي تتعلق بالنظام الاقتصادي الإسلامي منثورة في ثناياها ، وكأني بالإمام الحجة أبي عبيد القاسم بن سلام البغدادي رحمه الله أدرك أهمية أن تجمع هذه المسائل المنثورة في مصنف واحد ، حتى يسهل على المسلمين معرفتها والتزامها ، فشمر ساعد الجد ، وبدأ البحث والتنقيب حتى جاء كتابه ( الأموال : ناظما لمختلف هذه المسائل ؛ ولقد رأينا تعميما للفائدة ، وقياما بشيء من حق شريعة الله تعالى علينا ، وبيانا للأجيال المسلمة وتوضيحا لهم كيف أن دينهم لم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا ونظمها ، وتنبيها للغافلين ودعوة لهم ليتوبوا إلى رشدهم فيقلعوا عن تنكب الصراط المستقيم ، ويدركوا خطورة الغزو الفكري والمبادىء الهدامة التي حجبت عنهم حقيقة دينهم ؛ رأينا أن نطبع هذا الكتاب لنضعه بين أيدي طلبة العلم تحقيقا للحصانة الفكرية لديهم ، ودعوة إلى أصحاب الشأن جميعًا ليعيدوا النظر في كثير من الأنظمة الوافدة على ضوء شريعة الله تعالى ، وإلى الناس كافة ليدركوا أهمية الرسالة الخاتمة التي جاء بها رسول الله ﷺ
ويأتي اختيارنا لهذا الكتاب لما له من قيمة علمية لا تنكر في أوساط علماء الأمة ، انطلاقا من موسوعية مؤلفه والثقة فيه ، فهو رحمه الله إلى جانب تبحره بالفقه كان من علماء النحو ومن رواة اللغة والغريب ، عالما بالقراءات ، يقرن دائما بابن عباس رضي الله عنهما ، وبالإمامين الشافعي وابن حنبل رحمهما الله تعالى ، إلى جانب سلامة عقيدته والتزامه بأهداب الإسلام العظيم ، ورفضه للابتداع والتزيد في دين الله تعالى ومحاربته أصحاب البدعة ؛ فضلا عن ثقة علماء الجرح والتعديل فيه وتوثيقهم إياه ، ويأتي في مقدمة هؤلاء يحيى بن معين ، أبو داود ، والدارقطني رحمهم الله جميعا
وإني لأضرع إلى العلي القدير أن يتقبل منا عملنا ويجعله خالصا لوجهه الكريم ، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه ؛ ونسأله تعالى أن يبرم لهذه الأمة إبرام رشد يُعز فيه أولياؤه ويذل فيه أعداؤه ، ويُحكم فيه بشريعته ، وأن يعز الإسلام وينصر المسلمين ، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين
خادم العلم
عبد الله ابراهيم الأنصاري
مدير ادارة إحياء التراث الإسلامي

كتاب الاموال كامل (12.9 ميغابايت)