إلى ولدي
إلى ولدي
إلى ولدي
إلى ولدي
فمن أسباب النبل والأدب في التربية مجاورة البيان، ومزاولة التبيان، في النثر والنظم، وناهيك بالأدب الطريف، والمنهج العفيف، والأمر القويم نظماً ونثراً.
ولا غرو فقد ورد (إن من الشعر لحكمة وإن من البيان لسحرا) فغاية النبل تهذيب العقل، وعامله إنماء المعرفة والفصاحة والفضل، ولاشك أن نيل ذلك موهبة يدركها الموهوب له من الواهب بعناية الملك القادر، وإن من دواعي الإدراك بذل السبب حيث أنه قد علق حصول المقاصد باستعمال الأسباب والعوامل، فقد جعل الله لكل شيء سبباً، وأمر بالمتابعة، وقد فرّع السلف الصالح توجيههم للأمة على أنواع:
منهم من تحكم فوجه تعليمه لحفظ الأدب المطلق فلم يفند بين هذا وذاك ولعله خلط الجيد بالرديء والحابل بالنابل، فأنت إذا بحثت في كتب الأدب، قرأت كثيراً من حثالات القول وترهات الأعمال وسقطات الأخلاق، ويخيل له أن ما سطره في صفحات كتابه هو من الأدب السامي، وهو في الحقيقة ليس من الأدب المنشود الذي نريد به تهذيب أخلاق أبنائنا.
ومن الباحثين من راعى السداد في توجيههم بالأدب الصالح الموطد بالعقيدة الحميدة والأعمال المفيدة، والتقيد بما يرتضيه الإسلام ويأمر به كتاب الله، ويلاحظ الابتعاد عما يأباه الدين الحنيف، فتجده بتلك التوجيهات يهذب النفوس بالأدب السامي، ويلقح الأذهان بالعلم النافع، ونيل الأرب فناهيك به من طريقة صالحة ومنهج قويم.
ولقد حفظت نبذة جيدة، وأنا في شرخ شبابي وعنفوان صباي من هذا الأدب المضمون ومن أجملها وأفضلها (منظومة الآداب) لشيخي وأستاذي عليه رحمة الله الملك الباري الشيخ عبدالعزيز بن صالح العلجي الأحسائي، فما أفضلها منظومة حوت أنواع الفضائل في الإرشاد .. وقد كان رحمه الله لقوله وتدريسه الأثر العظيم الذي يدل على إخلاصه، فقد أرشد في منظومته إلى المناقب الصالحة والأخلاق الفاضلة العالية، والأعمال المحمودة ولا يمكنني تسطير شيء من تلك الأبيات لضيق المقام.
ثم بعد ذلك قرأت كثيراً من المنظومات الأدبية، ولكن قل أن أجد منظومة تحكم فيها شاعرها بحس السبك في التوجيه والإرشاد، والجمع بين الأخلاق الفاضلة والآداب الإسلامية، ومازلت أسبر الغور وألاحظ البعد والفور حتى عندما كنت في مؤتمر الأدب الإسلامي في الهند عاصمة لكهنوء في الندوة العالمية التي عقدت بتاريخ 28/4/1406هـ، وهناك قد سمعنا قصائد متعددة، وقرأنا أبحاثاً تتعلق بالأدب الإسلامي قدمها بعض الباحثين في هذا الميدان وبمناسبة هذا المؤتمر ولكني لم أقف على ما أقتنع به في التنظيم والتهذيب.
وإن من حسن الطالع أني وقفت قبل سفري بأيام يسيرة على منظومة أدبية رائعة من بحر الرجز أوجبتني الثناء عليها، ولا يعجبني أن أمجد القول وأمدح ناظمها حيث أنها قد نبعت من فرع لي .. ولعل القارئ يظن أني أميل إلى الإطراء بالمدح ومعاذ الله أن يكون ذلك، وإنما الحق يلجئني أن أعلن الواقع أينما كان .. فمنظومة قرأت نسختها قبل الطبع وهي بعنوان (إلى ولدي) جدير بها أن تأخذ الصفات العالية والإرشادات السامية ولعل من يقرؤها ويمر بهذا العنوان يستصغر الهدف المقصور ويحسبها نصيحة والد لولده فحسب، .. ولكنها ليس كذلك، وإنما هي نصيحة عامة آمة شاملة جديرة بأن تكون موجهة من كل أب حاذق فطن أديب متمسك إلى بني الإسلام الحريصين على نيل المقاصد الصالحة، والأخلاق الفاضلة والسجايا الحميدة والتمسك بشريعة الله والحصول على ما جدّ من الصفات الغالية .. وهي للابن الأديب البار/ محمد بن عبدالله الأنصاري (أبو عمر) وقد وجهها بصفة خاصة لابنه المذكور الذي هو أنا أبوه المكرر، ولكن هذه النصيحة الحاوية موجهة إلى كافة البنين من القطريين وغيرهم ممن يجد في نفسه الأهلية لاغتنام هذه النصائح .. فكل ابن يدرس هذه المنظومة الأدبية ولديه طموح لحب المجد والأدب السامي، والفضل والمكانة العالية يجدر به أن ينسبها لنفسه ويتتبع تلك الإرشادات الغالية المشتملة على النقد والتأييد والتوجيه من حين غلمته إلى أن يكون فتى كاملاً في تصرفاته وآرائه وهذه هي التربية التي ننشدها.